عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )
387
لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام
الاطلاع على حقائقها ، وإلّا لا متنعت بالتكيف بالبعض عن التكيف بباقيها ، ومن تبين هذا عرف وجه تخصيص القوم لعلومهم بكونها ذوقية وأن ذلك من جهة أن إدراكهم لها تكيف وتحقق بها كما تتكيف القوة الذائقة وتتحقق بذوقها بخلاف حال العلوم الرسمية لأن المدرك منها هو رسوم الحقائق لا أعيانها ، فإن العلم بطعم العسل مثلا شئ والذوق له شئ آخر ، والأول يقبل الشدة والضعف بخلاف الثاني في الحاسة السليمة ، فإنه لا يبقى مانع عن التكيف بحقيقة الطعم الموجود للحاسة المدركة له ومعلوم أن هذا النوع من الإدراك يتوقف على فراغ المحل عما سوى الكيفية المدركة له ، لئلا يبقى للقوة الذائقة كيفية مغايرة لكيفية المذوق ، بل لو قيل : ما كيفية قوتك الذائقة عندما تستعمل العسل ؟ لقال : كيفية العسل ، فقد اتحد المدرك بمدركه إذ لم يبق له كيفية سواه ، ولهذا قال قائلهم : * أنا من أهوى ومن أهوى أنا * ومن هذا يعلم أن كمال العلم بالشئ لا يتم إلا بحصول الاتحاد الدافع للمغايرة والعناد ، وأن درجات العلم به إنما يختلف بالكمال والنقص ، باعتبار القرب إلى الاتحاد والبعد عنه ، فمتى بلغ العالم بشئ إلى حقيقة الاتحاد بمعلومه بحيث يرتفع المغايرة بينهما ، حصل حينئذ على أعلى درجات العلم بذلك المعلوم ، فقد تحققت من هذا بأن العلم الحقيقي لا يتم بدون الذوق المعبر عنه بالاتحاد ، لأن بقاء كيفية للمدرك أو صورة مغايرة لكيفيه المدرك له ولصورته مما تمتع عن كمال إدراكه ، ولهذا يتعمل السالكون إلى معرفة اللّه وكشف حقائق أسمائه وأعيان مكنوناته في قطع العوائق المانعة عن كمال الإدراك بجلاء مرآة البصيرة بتطهير النفس عن ارتكاب نواهى الإله ، وعن